حق الله على العباد

الثلاثاء 22 - مايو - 2018 الساعة 19:21 85
حق الله على العباد

حق الله على العباد

 

في الصحيحَيْن عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنتُ رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: ((يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟))، قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب مَن لا يشرك به شيئًا))، قلت: يا رسول الله، أفلا أبَشِّر الناس؟ قال: ((لا تُبَشرهم فيتَّكلوا))[1].

 

في هذا الحديث بشارة عظيمة لأهلها المستحقّين لها، وهم الذين حقَّقوا التوحيد، وقاموا بواجب الألوهية، فلم يبخسوا من حق الله شيئًا ولم ينقصوه، وهو كتفسير لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

 

فالظُّلم هو انتقاص الحق وعدم إتيانه كاملاً، قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [الكهف: 33].

 

ولا ينقص الإنسان الحق إلا ممن ينتقصه ويَهون عليه شأنُه، ولا يقصر في الواجب إلا حين يستخف بالآمر، أو يغفل عنه، أو يفضل عليه سواه، فضْلاً عن الإعراض والجحود، وجميعُ ذلك مِن أنواع الشِّرك على اختلاف مراتِبه.

 

فالذين صدَّقوا أقوالهم بالأعمال، ولَم يبْخسوا مِن حقِّ الله شيئًا، ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من الشرك - قليلاً أو كثيرًا - لهم الأمن الصحيح مِن عذاب الله وسخطه في الدُّنيا والآخرة.

 

والآية أعمُّ بالبُشرى مِن هذا الحديث من جهة، والحديث أعم في الإثبات والنفي من جهة، ففيه بيان حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا على الإطلاق، كما في آية أخرى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36].

 

فإن لفظ "شيء" من العام الذي لا أعم منه، يتناول جميع الأشياء؛ قديمها وحديثها، وجوهرها وعرضها، وسائر الموجودات، وما سيوجد إلى الأبد من صامتٍ أو ناطق، حي أو ميت، سواء كان من الأجسام أو من الأرواح، أو منَ النظريات الفلسفيَّة أو المادية والأغراض النفعيَّة من  كل ما يتألهه الإنسان أو يقصده وينشغل به أو ينشغف بحبه من دون الله، فإن جميع ذلك شِرْك مخالف لتوحيد العبادة الواجب على جميع الجن والإنس إخلاصُه لله، ولما كان الإشراك يدخل في الجميع لَم يقل الله ورسوله: ولا تشركوا به صنمًا أو فلانًا، وإنما قالا: ((لا تُشركوا به شيئًا)).

 

وذلك أنَّ عبادة الله هي غاية حبه وتعظيمه وإجلاله والخوف منه ورجاء مثوبته، فالحبُّ بدون خوف وتعظيم لا يُسمَّى عبادة تامَّة، والإنسان يُحب ولده ووالده، وزوجته وصديقه، وماله ووطنه وعصبته، ولا يسمى عابدًا لشيء من ذلك حتى يعظمه ويقَدِّسه، ويجعله غايته ومنتهى قصْده.

 

شاركنا بتعليق

    لا يوجد